فصل: مسألة يستأجر الرجل بدينار في السنة ويقدم إليه الدينار ثم لا يتفقان وقد عمل عنده الشهر:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة يستأجر الرجل يحرس له بيتا فينام فيسرق من البيت شيء:

وسئل مالك عن الرجل يستأجر الرجل يحرس له بيتا، فينام فيسرق من البيت شيء، أترى عليه ضمانا؟ قال: لا. قيل له: أفترى له إجارة؟ قال: نعم. وكذلك الذي يستأجر يحرس النخل والغنم والإبل، ليس عليه ضمان وله أجرته. قيل لابن القاسم: فما الذي يضمن الأجير؟ قال: لا يضمن إلا ما ضيع أو فرط أو تعدى. قيل له: فما ترى الضيعة؟ قال: من الضيعة أن يترك ما وكل به ويذهب إلى غير ذلك حتى يذهب ما وكل به ونحو هذا من الضيعة، وأما الرقاد يغلبه أو الغفلة يغفلها، فليس هذا من الضيعة.
قال محمد بن رشد: قوله: إن الأجير لا يضمن إلا أن يفرط أو يضيع أو يتعدى صحيح لا اختلاف فيه، وهو محمول على غير التضييع حتى يثبت عليه التضييع حسبما ذكرناه في المسألة التي قبل هذه. وأما قوله: إن له أجرته فمعناه أن له أجرته كلها، ويستعمله المستأجر بقية المدة في مثل ما استأجره عليه، ولا اختلاف في هذا، بخلاف المسألة التي قبلها؛ لأن الاستئجار على الحمل بخلاف الاستئجار على الحراسة والرعي، يختلف في الإجارة على الحمل في انتقاض الإجارة بتلف الشيء المستأجر على حمله، ولا يختلف في أنه لا يحتاج في شيء من ذلك إلى اشتراط الخلف، ولا يختلف في الاستئجار على الحراسة والرعي في انتقاض الإجارة بتلف الشيء المستأجر على حراسته ورعيه، ويختلف في وجوب اشتراط الخلف في عقد الإجارة على ذلك إذا عين، ولم يتكلم في هذه الرواية على ذلك، فيحتمل أن يكون تكلم فيها على غير التعيين. وأما إن كان متاع البيت أو الغنم أو النحل- بالحاء غير المعجمة- معينا فلا تجوز الإجارة على حراسة شيء من ذلك على مذهب ابن القاسم في المدونة إلا بشرط الخلف، خلاف قول سحنون وابن حبيب، وقول أشهب في سماع أصبغ، وأما الاستئجار على حراسة أصول النخل، فلا يحتاج فيها إلى شرط؛ لأنها مأمونة لا يخشى عليها التلف، وبالله التوفيق.

.مسألة يستأجر الرجل بدينار في السنة ويقدم إليه الدينار ثم لا يتفقان وقد عمل عنده الشهر:

ومن كتاب الشريكين:
وسئل مالك عن الرجل يستأجر الرجل بدينار في السنة، ويقدم إليه الدينار ثم لا يتفقان، وقد عمل عنده الشهر فيتحاسبان، ويرد إليه بقية ما عليه دراهم، قال: لا يعجبني مثل هذا، ثم قال بعد ذلك: أرجو أن يكون خفيفا إذا صح أمرهما. وقال ابن القاسم: وهذا الآخر أحب إلي.
قال محمد بن رشد: اختلف قول ابن القاسم في استئجار الرجل بعينه وكراء الراحلة بعينها، والدار والأرض وما أشبه ذلك، فمرة حمله محمل السلم الثابت في الذمة، ومحمل الإجارة المضمونة من أجل أن المنافع تقتضي شيئا بعد شيء، فهي غير معينة في أن الإقالة فيها لا تجوز، وإن لم يكن فيها بمجردها فساد إذا ظهر المكروه فيها بإضافتها إلى الصفقة الأولى؛ لأنه اتهمهما على القصد إلى ذلك، والعمل عليه، فمنع من ذلك حماية للذرائع. وعلى هذا يأتي قوله الأول في الرجل يستأجر الرجل بدينار في السنة، ويقدم إليه الدينار ثم لا يتفقان، وقد عمل عنده الشهر فيتحاسبان، ويرد إليه بقية ما عليه دراهم؛ أن ذلك لا يعجبه؛ لأن الأمر آل بينهما إلى أن دفع المستأجر إلى الأجير دينارا، وأخذ منه فيه عمل شهر ودراهم، فيتهمان على القصد إلى ذلك والعمل عليه، ومرة حمله محمل العروض المعينات في أن الإقالة فيها جائزة إلا أن تنعقد بمجردها على ما لا يجوز، وعلى هذا يأتي قوله الآخر بعد ذلك في المسألة المذكورة أرجو أن يكون خفيفا؛ إذ لا فساد في الإقالة بمجردها، وإنما يوجد المكروه فيها باجتماع الصفقتين على ما بيناه، فلم يتهمهما في هذا القول على القصد إلى ذلك من أجل أنه أجير بعينه، كما لا يتهمهما في ذلك في السلعة المعينة.
وفي قوله: إذا صح أمرهما نظر؛ لأن الأمر إذا صح منهما، ولم يقصدا إلى ذلك، ولا عملا عليه، فلا اختلاف في أنه لا حرج عليهما في ذلك فيما بينهما وبين خالقهما، وكذلك إذا ظهر من أمرهما ما يدل على صحة فعلهما؛ لا ينبغي أن يختلف في أن ذلك لا يفسخ، مثل أن يظهر من الأجير خيانة وما أشبه ذلك، فيعلم أن تقايلهما إنما كان بسبب ما ظهر منه على ما قاله بعد هذه في رسم العرية، من سماع عيسى، وقد ذكرنا في غير هذا الكتاب ما يجوز الإقالة في ذلك مما لا يجوز ملخصا مستوفيا، وبالله التوفيق.

.مسألة شارط رجلا على عين يحفرها على خمسة آلاف ذراع:

ومن كتاب أوله أخذ يشرب خمرا:
وسئل مالك عن رجل شارط رجلا على عين يحفرها على خمسة آلاف ذراع، وما وجد في الأرض من صفا، فعلى صاحب العين أن يشقه، فعمل فيها فوجد في الأرض نحو مائة ذراع فشقها الرجل، فلما فرغ قال له الرجل: اعمل لي بدلها، وموضعه الذي يعمل هو أكثر عملا من الموضع الذي وجد فيه الصفا، فقال: لقد دخلت في أمر لا خير فيه، فأرى عليك قدر ذلك الموضع الذي شقه ذلك الرجل تغرمه، وليس عليك أن تعمل له بذلك، يريد أن ينظر إلى قدركم ذلك من الأرض من قدر العمل، فيرد منه بقدر ذلك مما أخذ. قال ابن القاسم: لست آخذ فيه بقول مالك، فأرى أن يعطى أجرة مثله. قال سحنون: وهو رأيي، وقوله فيها أفضل وأجود.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة مشكلة، وقد التبس على كثير من الناس معناها، فوهم في تأويلها منهم ابن لبابة، فإنه ذهب إلى أن ابن القاسم أخطأ على مالك في تفسيره بجوابه لقوله يريد أن ينظر إلى قدر كم ذلك من الأرض من قدر العمل، فيرد منه بقدر ذلك مما أخذ. قال: لأن مالكا إنما أجاب على أن رب العين جعل للرجل جعلا على حفر خمسة آلاف ذراع في التراب، وما خرج في الأرض من صفا شقه رب العين، فخرج في الأرض مائة ذراع من صفا فشقها العامل، فأوجب له مالك على رب العين قيمة عمله في شق الصفا، إذ لم يكن ذلك عليه، ولم يوجب له عليه أن يعمل له مثله في التراب، وسكت عما يجب للعامل في بقية عمله، وإن كان يجب عليه حفر بقية الخمسة آلاف ذراع في تراب أم لا. قال: فتأول ابن القاسم على مالك أنه أجاب على أن صاحب الأرض هو الذي حفر الصفا، وأن حفرها كان مشترطا على العامل، فلما عمل ذلك صاحب العين وجب أن يحط من الجعل قدره، ولذلك قال: يريد أن ينظر إلى قدركم ذلك من الأرض من قدر العمل، فيرد منه بقدر ذلك مما أخذ. قال: وهذا محال من التأويل، إنما كان شق الصفا على رب الأرض، وذلك فسر في السؤال قوله فيه، فشق ذلك العامل، وليس هو عليه، فطلب من رب الأرض أن يشق له من الأرض بعد الصفا مثل الذي شق العامل.
قال محمد بن رشد: وإنما المحال ما تأول هو على ابن القاسم، من أنه حمل عليه قول مالك؛ إذ يبعد في القلوب أن يكون مالك أجاب على غير ما سئل عنه، وأن يكون ابن القاسم تأول ذلك عليه، إذ قد بين في السؤال أن المعاملة إنما وقعت بينهما على أن يشق رب الأرض ما وجد فيها من صفا، وأن العامل هو شقها، بدليل قوله: فلما فرغ قال: اعمل لي بدلها؛ إذ لو كان رب الأرض هو الذي شقها على ما اشترط على نفسه، لم يكن له في شقها شيء على أحد.
ووجه جواب مالك على السؤال، وتفسير ابن القاسم له بين، وذلك أن المعنى في المسألة أنها إجارة لا جعل، وأن معنى قوله شارط رجلا على عين يحفرها على خمسة آلاف ذراع: استأجر رجلا على عين يحفرها على خمسة آلاف ذراع، وشرط له على نفسه أنه ما وجد فيها من صفا شقه، ولم يبين في عقد الإجارة إن كان أراد أن يشق رب الأرض ما وجد في الأرض من صفا، وتكون للعامل أجرته كاملة، وإن كان أراد أن يشقها، ويحط عنه من الإجارة بحسابها من الخمسة آلاف ذراع، فكره مالك الإجارة ابتداء لما وقعت عليه من إبهام، ومراعاة لقول من يرى الإجارة فاسدة، وإن وقعت ببيان أن يحط عنه من الإجارة بقدر ما يقع الصفا الموجودة فيها إن وجدت من الخمسة آلاف ذراع من أجل الجهل بما انعقدت عليه الإجارة من عدد الأذرع؛ إذ لا يدري ما يجد فيها من الصفا التي لم تقع عليه الإجارة، فصار ذلك كشراء الصبرة جزافا على الكيل، وعبد العزيز بن أبي سلمة لا يجيز ذلك، وكالذي يتكارى الكري على بز يسوقه له من بلد كذا على أنه إن وجده في الطريق رجع، وكان له من إجارته بحسابه ما سار من الطريق، وسحنون لا يجيز ذلك وإن لم ينقد، وقال لهما: لقد دخلتما في أمر لا خير فيه، وحملهما لما وقعت وفاتت بالعمل على أنهما أرادا أن يشق رب الأرض ما وجد فيها من صفا، ويحط عنه من الإجارة بحسابها، فأمضاها على أصله في جواز شراء الصبرة على الكيل وما أشبه ذلك، وقال: أرى عليك- يريد على رب الأرض- قدر ذلك الموضع، يريد قيمة عمل ذلك الموضع الذي شقه ذلك الرجل، يريد الذي شقه العامل يغرمه له، ولم ير عليه أن يعمل له بدله، ولو رضي بذلك لما جاز؛ لأنه إنما وجبت له عليه القيمة، فلا يجوز له أن يأخذ منه فيها عملا؛ لأنه فسخ الدين في الدين.
وسكت مالك رَحِمَهُ اللَّهُ عن تمام الحكم في المسألة، وفسره ابن القاسم على ما فهم من مذهبه في إمضاء الإجارة إذا فاتت فقال: يريد أن ينظر إلى قدركم ذلك الموضع من قدر العمل، فيرد منه بقدر ذلك مما أخذ، ومعنى ذلك أن ينظر ما تقع الصفا التي شقها العامل من جملة الخمسة الآلاف ذراع، فيرد من الأجرة التي قبض ذلك الجزء؛ إذ لا فرق بين أن يشق صاحب العين الصفا على ما شرطه على نفسه أو يشقها العامل فيأخذ حقه في شقها.
وإن كان ما وجب للعامل في شقه الصفا من جنس الأجرة التي قبض قاصه بذلك فيما يجب عليه رده منها، فمن كان له منهما في ذلك فضل رجع به على صاحبه. وحمل ابن القاسم وسحنون الإجارة لما وقعت مبهمة على ظاهرها من أنهما أرادا أن يشق رب الأرض ما وجد في الأرض من صفا، ولا يحط عنه بذلك من الإجارة شيء فقالا: إن الإجارة فاسدة، والفساد فيها إذا حملت على هذا الوجه بين، وقد تحتمل المسألة وجوها من التأويل غير هذا قد ذكرته في غير هذا الكتاب، وهذا أولى ما حملت عليه.
وأما ما ذهب إليه ابن لبابة، فهو بعيد على ما قد بينته، وكذلك قوله: إنها جعل لا يصح؛ إذ لو كان جعلا لما أمضاه مالك إذا وقع؛ لأنه جعل فاسد من وجهين: أحدهما أن الجعل لا يكون فيما يملك من الأرضين، وذلك غير جائز على المشهور في المذهب، وقد نص على ذلك ابن المواز قال: لا يكون الجعل في شيء إذا أراد المجعول له ترك العمل بعد أن شرع فيه يبقى من عمله شيء ينتفع به الجاعل، مثل البناء والحفر فيما يملك من الأرضين. وقد وقع في كتاب ابن حبيب ما يدل على إجازة الجعل على حفر البئر فيما يملك من الأرضين. والثاني: الغرر المقصود إليه فيه؛ لأن معناه إن حفرت لي ما وجدت من تراب في هذه الخمسة آلاف ذراع فلك كذا وكذا، وذلك ما لا يجوز في الجعل. وقد يحتمل أن يكون ابن القاسم وسحنون حملا المسألة على هذا، ولذلك قالا: إن له أجرة مثله. ولولا تأويل ابن القاسم على مالك؛ لكان الأظهر من قوله قد دخلتما في أمر لا خير فيه أن العقد فاسد، ويكون للعامل أجرة مثله في شق الصفا، وفي سائر عمله، ويرد جميع الأجرة إن كان قبضها، وتسقط عنه إن كان لم يقبضها؛ لأنه إنما تكلم على ما يجب للعامل في شق الصفا وسكت عن تمام الحكم في المسألة، إلا أن ابن القاسم أحق بتبيين إرادة مالك في المسألة لمشافهته إياه فيها، وقد بينا وجه قوله على ما فهم ابن القاسم من إرادته، وبالله التوفيق.

.مسألة يقول للرجل احفر لي هاهنا بئرا حتى أدرك الماء ولك كذا وكذا:

وسئل مالك عن الرجل يقول للرجل: احفر لي هاهنا بئرا حتى أدرك الماء، ولك كذا وكذا، فيعمل فيها ما شاء الله، ثم يبدو له فيترك العمل، ثم يستأجر عليه صاحب البئر آخر، أترى للأول شيئا فيما عمل؟ قال: إن انتفع الآخر بها حتى يخرج الماء رأيت أن يعطى في ذلك. فقيل له: ما الذي يعطى في ذلك؟ قال: على قدر ما يرى مما انتفع به، يجتهد في ذلك، وليس لذلك حد؛ رب أرض شديدة تكون حجرا، وأخرى رخوة فيكون ربما يحفر الحجر أولا، والذي احتفر يعد ذلك رخوة، أو يكون حفر رخوا والذي حفر بعده حجرا، فإنما يعطى في ذلك على قدر ما انتفع به فيما يجتهد له من ذلك.

.مسألة يجعل للرجل على حفر بئر فيحفر فيها أذرعا ثم يعجز عنها ثم يحفرها آخر:

من سماع عيسى بن دينار، من كتاب المكاتب وسألت ابن القاسم عن الرجل يجعل للرجل على حفر بئر، فيحفر فيها أذرعا، ثم يعجز عنها، ثم يحفرها آخر بعد ذلك حتى يخرج الماء، قال مالك: يكون للآخر جعله كله، ويكون للأول الجعل بقدر ما انتفع بحفره في البئر، ولقد كنت قلت أنا: يكون له قيمة ما عمل يوم عمل. وقال ابن كنانة: بل قيمة ما عمل اليوم، فدخلنا على مالك فقال: بل يعطى على قدر ما انتفع بحفره.
قلت: أرأيت جعلهما جميعا في الجعل الأول؟ قال: بل يعطى الآخر جميع ما جعل له، وينظر قيمة ما انتفع به من عمل الأول فيعطاه، ولا يلتفت إلى الجعل الأول. قلت: أرأيت إن كان الجعل الأول عشرة دنانير، فلما نظرنا إلى ما انتفع به من عمله كانت قيمته خمسة عشر دينارا؟ قال: فله ذلك، زاد الجعل الأول أو نقص، ولا يلتفت إلى الجعل الأول.
قال محمد بن رشد: معنى قول مالك ينظر إلى قيمة ما انتفع به من عمل الأول فيعطاه، هو أن ينظر إلى ما جعل على تمامها للثاني، وإلى ما كان يجعل على حفرها كلها لو لم يتقدم فيها حفر لأحد يؤخذ ذلك، فيكون للأول ما زاد على ما جعل على تمامها للثاني؛ لأن ذلك هو الذي انحط عنه بعمل الأول فانتفع به.
وكذلك إن استأجر على تمامها، ولم يجاعل على ذلك، فينظر إلى ما استأجر به على تمامها، وإلى ما كان يستأجر به على جميعها، فيكون للأول ما زاد الاستئجار على جميعها على الاستئجار على بقيتها؛ لأن ذلك هو الذي انتفع به، قل ذلك أو كثر، وإن كان أكثر من الجعل الأول، وهو أظهر من قول ابن القاسم وابن كنانة؛ لأنه لما كان لا يجب عليه شيء إذا لم ينتفع وجب ألا يكون عليه إذا انتفع إلا قدر ما انتفع، وإنما يشبه أن يكون عليه قيمة عمله يوم انتفع به أو يوم عمله، إذ انتفع به كما هو دون أن يتمه بإجارة أو مجاعلة في وجه من وجوه المنافع؛ من كنيف يحدثه فيه أو ما أشبه ذلك.
والقياس أن يكون له في هذا الحساب ما عمل من جعله الذي كان جعل له فيه، ومما يشبه هذا الدلال يجعل له الجعل على بيع الرأس من الرقيق فيسوقه، ثم يبيعه صاحبه بغير حضرته، ولو باعه له دلال آخر بجعل أخذه منه؛ لوجب أن يكون الجعل بين الدلال الأول والثاني على قدر عنائهما؛ لأن الدلال الثاني هو المنتفع بتسويق الأول دون صاحب السلعة؛ إذ قد أدى إلى الثاني جعلا كاملا، لم ينحط عنه منه شيء بسبب الأول، وذلك على قياس ما وقع في سماع عيسى، من كتاب اللقطة، في الرجل يجعل للرجل الجعل في طلب عبد أبق فيجده، ثم يأتي به فينفلت منه ويذهب ويجعل صاحبه عليه جعلا آخر لرجل آخر فيأتي به، أنه إن كان أفلت بعيدا من مكان سيده، فالجعل كله للثاني ولا شيء للأول، وإن كان أفلت قريبا من مكان سيده، فالجعل بينهما على قدر شخوص كل واحد منهما بما يرى، وبالله التوفيق.

.مسألة يستخيط الثوب بدرهم ثم يقول له هل لك أن تعجل لي ثوبي وأزيدك:

ومن كتاب أوله سلف في المتاع والحيوان:
وسئل مالك عن الرجل يستخيط الثوب بدرهم، ثم يقول له بعد ذلك: هل لك أن تعجل لي ثوبي اليوم وأزيدك نصف درهم؟ قال مالك: لا أرى به بأسا، وأرجو أن يكون خفيفا، ولم يره مثل الرسول يزاد لسرعة السير بعد إيجاب أجرته.
وسئل مالك عن الرجل يتكارى الرجل على أن يسير له بكتاب إلى ذي المروة على أن يسير له في يومين، ويدفع إليه دينارين، فكره ذلك وقال: لا يعجبني هذا الكراء، أرأيت إن تأخر كيف يصنع؟ ما يعجبني هذا. قال ابن القاسم: ويعطيه على اجتهاده. وكذلك الإبل تتكارى والدواب ليس يضرب في ذلك أجل.
وسألته عن الرجل يتكارى الرجل بدينار على أن يبلغ له كتابا إلى بلد، فيقول: أما الدينار فلك ثابت، وإن بلغته يوم كذا وكذا فلك زيادة نصف دينار، قال: لا أحب ذلك وكرهه. قال سحنون: لا بأس بذلك بعد وجوب الكراء.
قال محمد بن رشد: أما الذي يستخيط الرجل الثوب بأجر مسمى ثم يزيده بعد ذلك على أن يعجله له، فلا إشكال في أن ذلك جائز؛ لأن تعجيله ممكن له، ولا ينبغي له أن يتعمد تأخيره ومطله إضرارا به لغير سبب، وله أن يتسع في عمله ويؤخره لعمل غيره قبله، أو للاشتغال بما يحتاج إليه من حوائجه على ما جرى من عرف الصناع في التراخي في أعمالهم، فإذا زاده على أن يتفرغ له ويعجله جاز؛ لأنه أخذ ما زاده على فعل ما يقدر عليه ويجوز له، ولا يلزمه.
وأما الذي يزيد الأجير على تبليغ الكتاب بعد عقد الإجارة زيادة على أن يسرع السير، فيبلغه في يوم كذا وكذا، فكرهه مالك ورآه بخلاف الزيادة على تعجيل الثوب، ومعناه إذا لم يكن على يقين من أنه يدرك الوصول به ذلك اليوم إذا أسرع السير؛ لأنه يجهد نفسه في الإسراع ما لا يلزمه على غير يقين من حصول الزيادة له في ذلك، وهو غرر، ولو كان على يقين من أنه يدرك إذا أسرع لجاز بمنزلة الثوب. ولو قال له في الثوب: إن أتممت خياطته اليوم فلك زيادة نصف درهم، وهو لا يدري إذا أجهد نفسه في إتمامه هل يتم أم لا؛ لكان ذلك مكروها على ما قاله في الرسول، وبين ذلك قوله في التفسير ليحيى: إن ذلك مكروه إذا كانت الثياب كثيرة؛ إذ لا فرق في الثياب الكثيرة والثوب الواحد إلا أن الثياب الكثيرة لا يدري إذا اجتهد فيها هل يفرغ منها قبل الوقت الذي وقته له في الأغلب من الأحوال، بخلاف الثوب الواحد، فالمسألتان، تحمل كل واحدة منهما على صاحبتها، وإجازة سحنون ذلك في الرسول معناه، والله أعلم، إذا كان على يقين من أنه يدرك الموضع في ذلك اليوم إذا أسرع، فعلى هذا ينبغي أن تحمل أقوالهما، ولا يجعل ذلك اختلافا من القول.
وأما قوله في استئجار الرسول على أن يسير له بالكتاب إلى ذي المروة في يومين ويدفع إليه دينارين: إن ذلك لا يعجبه وهو مكروه، وكذلك ضرب الأجل في اكتراء الدواب إلى البلدان، فهو المشهور في المذهب، وقد مضى القول فيه في أول رسم، وبالله التوفيق.

.مسألة قال له: دل على من يشتري مني جاريتي ولك كذا وكذا:

ومن كتاب البز قال ابن القاسم: قال مالك: من قال: دل على من يشتري مني جاريتي ولك كذا وكذا، فدل عليه، فذلك لازم له. ولو قال: دلني على من أواجره نفسي ولك كذا وكذا فذلك له. ومن قال: دلني على امرأة أتزوجها ولك كذا وكذا، فلا شيء له. قال سحنون: كل ذلك عندي واحد ليس بينها فرق، وأرى أن يلزمه في النكاح مثل ما يلزمه في البيع والأجرة، وقال أصبغ في كتاب البيع والصرف من سماعه، مثل قول سحنون.
قال محمد بن رشد: إنما فرق مالك بين أن يجعل الرجل للرجل جعلا على أن يدل عليه من يشتري منه سلعة أو يبيعها منه أو يواجره نفسه، وبين أن يجعل له جعلا على أن يدله على امرأة يتزوجها من أجل أنه لا يلزمه أن يدل عليه من يشتري منه، ولا من يبيع منه، ولا من يواجره نفسه ولا شيئا من الأشياء، ويلزمه هو أن يدله على امرأة تصلح له؛ لأن معنى قوله: دلني على امرأة أتزوجها، أي أشر علي بامرأة تعلم أنها تصلح لي وانصح لي في ذلك، وهذا لو سأله إياه دون جعل للزمه أن يفعله؛ لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الدين النصيحة؛ قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولأيمة المسلمين وعامتهم»، ألا ترى أنه لو قال رجل لرجل: دلني على امرأة تصلح لي أتزوجها، فإني محتاج إلى النكاح، فقال له: أنا أعلمها، ولكن لا أعلمك بها، ولا أدلك عليها إلا أن تعطيني كذا وكذا لما حل ذلك له.
ولو قال له: دل علي امرأة أتزوجها، أو دل علي رجلا أزوجه ابنتي، ولك كذا وكذا، فدل عليه لكان له الجعل، فالأصل في هذا أن الجعل لا يجوز فيما يلزم الرجل أن يفعله، وإنما يجوز فيما لا يلزمه أن يفعله، مثل أن يقول: دلني على امرأة أتزوجها واسع لي في نكاحها على ما يأتي في رسم البراءة من سماع عيسى، وإنما قال سحنون وأصبغ: إن الجعل يلزم في قوله: دلني على امرأة أتزوجها، كما يلزم في قوله: دل على من يشتري مني جاريتي أو أواجره نفسي؛ لأنهما حملا قوله، والله أعلم، دلني على امرأة أتزوجها أنه أراد بذلك ابحث لي على امرأة تصلح لي، ودلني عليها، ولك كذا وكذا، فأوجبا له الجعل؛ إذ لا يلزم الرجل أن يبحث للرجل على من يصلح له من النساء فيدله عليها، ويلزمه إذا استرشده في أمر قد علمه أن يدله وينصح له ولا يكتمه. ولو قال له: دلني على من أبيع منه سلعتي، أو أواجره نفسي، ولك كذا وكذا لكان له الجعل، بخلاف قوله: دلني على امرأة أتزوجها، ففي هذا يفترق البيع من النكاح؛ إذ لا يلزم الرجل أن يدل الرجل على من يشتري منه سلعة إذا سأله ذلك، وإن كان عالما بمن يصلح له، ويمكن أن يشتريها منه، ويلزمه أن يدله على امرأة يتزوجها إذا سأله ذلك، وكان عالما بامرأة تصلح له ويمكن أن تتزوجه. والفرق في هذا بين النكاح والبيع أن البيع مباح، والنكاح مندوب إليه، وقد يكون واجبا. ولو اضطر الرجل الغريب في موضع لا سوق فيه إلى بيع سلعة في أمر لابد له منه، فقال لرجل: دلني على من يشتري مني سلعتي، وهو يعلم من يمكن أن يشتريها منه لما حل له أن يقول: لا أدلك إلا أن تعطيني كذا وكذا لوجوب ذلك، فهذا وجه القول في هذه المسألة، وعلى هذا تتفق الروايات ولا يكون بين النكاح والبيع فرق، وإن كان ابن حبيب قد حكى من قول ابن القاسم، وروايته عن مالك أن الجعل في الدلالة على النكاح لا يلزم، وحكى عن غير واحد من أصحاب مالك إجازته، وأنه سمع ابن الماجشون يجيزه، ويروي إجازته عن مالك، فذلك تأويل منه في أن ذلك اختلاف من القول، وتأويلنا أظهر، والله أعلم، وبه التوفيق.

.مسألة البناء يستأجر على البناء مقاطعة:

ومن كتاب أوله المحرم يتخذ الخرقة لفرجه:
وسئل مالك عن البناء يستأجر على البناء مقاطعة، قال: لا بأس بذلك، لم يزل بذلك عمل الناس، فإن طال لك ضرب له أجل أيام.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه لا بأس بالاستئجار على البناء مقاطعة صحيح، ولا يصح فيما قل، وكان يفرغ منه في بعض اليوم إلا مقاطعة، وأما فيما كثر فيجوز مقاطعة إذا وصف العمل بغير النقد، وبالنقد إذا شرع في العمل على ما مضى في أول السماع، ويجوز أن يستأجره فيه بالأيام. فمعنى قوله فإن طال ذلك ضرب له أجل أيام، أي فإن طال ذلك، جاز أن يستأجره فيه بالأيام، لا أنه إذا طال يجوز أن يستأجره على عمله إلى تمامه ويضرب له في ذلك أجل أيام؛ لأنه قد منع من ذلك في المسألة التي بعدها، وفيما مضى في رسم سلف، وفي ذلك اختلاف قد مضى القول فيه في أول السماع، وبالله التوفيق.

.مسألة استأجر أجيرا على عمل بعينه هل يجوز فيه الأجل:

قال: ومن استأجر أجيرا على عمل بعينه، فلا يجوز فيه الأجل؛ لأن الفراغ من العمل هو الأجل، فلا يستقيم أن يستأجره إلى أجلين بشيء واحد، وإن تلف ما استأجره عليه لم يجبر الأجير على أن يعمل مثله، ولم يلزم رب العمل أن يأتي بمثله، ولا بأس بالنقد في مثل هذا.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه من استأجر أجيرا على عمل بعينه، فلا يجوز فيه الأجل هو المشهور في المذهب، وقد مضى في أول مسألة من السماع ما فيه من الخلاف، فلا معنى لإعادته.
وقوله: إنه إن تلف ما استأجره عليه لم يجبر الأجير على أن يعمل مثله، ولم يلزم رب العمل أن يأتي بمثله، يدل على أنهما إن رضيا بذلك جاز، ومعناه إذا لم يكن نقد؛ لأنه يدخله فسخ الدين في الدين إن كان نقدا، وهذا هو المشهور في المذهب، وقد قيل: إنه يستعمله في مثل ما استأجره فيه ولا تنفسخ الإجارة، وهو قول ابن القاسم في رسم يشتري الدور والمزارع من سماع يحيى بعد هذا، وبالله التوفيق، اللهم عونك.

.مسألة يتكارى الخياط على أن يخيط له ثيابا يسميهما:

ومن كتاب أوله سن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
وسئل مالك عن الرجل يتكارى الخياط على أن يخيط له ثيابا يسميهما، فقال مالك: أما الملاحف وما أشبهها فإنه يعرف نحوها، وأما الخز فإنه يكون فيها المرتفع ثمن الخمسة عشر، فأحب إلي أن يريه ثوبا يخيط عليه، إلا أن يكون صفة قد عرفها، فلا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إنه لا يجوز أن يستأجره على أن يخيط له صنفا من الثياب يسميه إذا كان الصنف يختلف فتكون خياطة بعضه أسهل من خياطة بعض؛ إذ لابد في الاستئجار على الأعمال من وصف العمل أو عرف يقوم مقام الوصف، وإن أراه ثوبا يخيط عليه فهو أبلغ من الوصف وأتم، والدليل على أن العرف يقوم مقام الوصف؛ ظاهر قول الله تعالى: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} [القصص: 27]، وقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من استأجر أجيرا فليواجره بأجر معلوم إلى أجل مسمى»، فذكر الأجرة والأجل وسكت عن وصف العمل؛ إذ قد يستغني عنه بالعرف المعهود فيه، وبالله التوفيق.

.مسألة يقول للرجل اعمل لي في هذا التراب لبنا بيني وبينك:

من سماع أشهب وابن نافع من مالك رواية سحنون من كتاب البيوع الأول قال سحنون: أخبرني أشهب وابن نافع قالا: سئل مالك عن الرجل يقول للرجل: اعمل لي في هذا التراب لبنا بيني وبينك، فقال: ما يعجبني ذلك. قال أشهب: رأيت السائل يسأله، وسمعت من مالك الجواب، ولم أفهم ما سأل السائل عنه؛ لأنه أخفى من صوته، فسألت عما سأل، فقيل لي عن هذا.
قال محمد بن رشد: إنما كره مالك هذه الإجارة في هذه الرواية من أجل أنه لا يدري كيف يخرج اللبن، فكأنه استأجره بشيء لا يدري ما هو، وقد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من استأجر أجيرا فليعلمه أجره»، وقال: «من استأجر أجيرا فليواجره بأجر معلوم إلى أجل معلوم»، فلا يجوز للرجل أن يستأجر الرجل إلا بما يجوز بيعه، ولا يجوز على هذه الرواية بيع اللبن قبل أن يعمل، كما لا يجوز بيع الثوب قبل أن ينسج، ولا أن يستأجر على عملها بنصفها، كما أنه لا يجوز أن يستأجر الرجل الرجل على دباغ الجلود بنصفها، ولا على نسج الغزل بنصفه. وسواء قال له: اعمل هذا التراب لبنا يكون بيني وبينك، أو قال له: اعمل فيه لبنا، فما عملت فهو بيني وبينك؛ لأن الأول إجارة وهذا جعل، والجعل في المجاعلة لا يكون إلا معلوما، كما أن الأجرة في الإجارة لا تكون إلا معلومة، فإن وقع ذلك وفات بالعمل كانت اللبن لصاحب التراب، وكان عليه للعامل أجر مثله في عمله، وإن لم يعثر على ذلك حتى قبض الأجير نصفها، وفاتت في يديه بما يفوت به البيع الفاسد؛ لزمته قيمته يوم خروجها من العمل؛ لأنه حينئذ كان قابضا لنصفها، ويكون له أجر مثله في عملها كلها.
وكراهية مالك في هذه الرواية لهذه الإجارة خلاف أصل ابن القاسم في أن ما لا يعرف وجه خروجه، ويمكن إعادته للعمل بمنزلة ما يعرف وجه خروجه في أنه يجوز بيعه قبل أن يعمل على أن يعمله البائع، وفي أنه يجوز الاستئجار على عمله بالجزء منه، فقد أجاز في رسم أسلم، من سماع عيسى: أن يستأجر الرجل الرجلَ على بناء البقعة بنصفها؛ لأن البناء تمكن إعادته إن لم يخرج على الصفة، وذلك لا يجوز على قياس قول مالك في هذه الرواية، وعلى قياس قول مالك في هذه الرواية يأتي قول سحنون أن كل بيع وأجرة تكون الأجر فيه في نفس المبيع لا يجوز، وبالله التوفيق.